ملا محمد مهدي النراقي
18
جامع السعادات
. . وهكذا على التوالي ، ألا ترى إن ما يضطر إليه الإنسان بالذات منحصر بالمأكل والملبس والمسكن ؟ ولذلك حدثت الحاجة إلى خمس صناعات هي أصول الصناعات : الفلاحة ، والرعاية للمواشي ، والحياكة ، والبناء ، والاقتناص - أي تحصيل ما خلق الله من الصيد والمعادن والحشائش والأحطاب - وتترتب على كل من هذه الصناعات صناعات أخر ، وهكذا إلى أن حدثت جميع الصناعات التي تراها في العالم ، وما من أحد إلا وهو مشتغل بواحدة منها أو أكثر إلا أهل البطالة والكسالة ، حيث غفلوا عن الاشتغال في أول الصبا ، أو منعهم مانع واستمروا على غفلتهم وبطالتهم ، حتى نشأوا بلا شغل واكتساب ، فاضطروا إلى الأخذ مما يسعى فيه غيرهم ولذلك حدثت حرفتان خبيثتان هي ( اللصوصية ) و ( الكدية ) ( 15 ) ، ولكل واحد منهما أنواع غير محصورة لا تخفى على المتأمل . فصل ذم الدنيا وأنها عدوة الله والانسان إعلم أن الدنيا عدوة لله ولأوليائه ولأعدائه : أما عداوتها لله ، فإنها قطعت الطريق على العبادة ، ولذلك لم ينظر إليها مذ خلقها ، كما ورد في الأخبار ( 16 ) . وأما عداوتها لأوليائه وأحبائه ، فإنها تزينت لهم بزينتها وعمتهم بزهرتها ونضارتها ، حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها . وأما عداوتها لأعدائه ، فإنها استدرجتهم بمكرها ومكيدتها واقتنصتهم بشباكها وحبائلها حتى وثقوا بها وعولوا عليها ، فاجتبوا منها حيرة وندامة تنقطع دونها الأكباد ، ثم حرمتهم عن السعادة أبد الآباد ، فهم على فراقها يتحسرون ، ومن مكائدها يستغيثون ولا يغاثون ، بل يقال لهم : " إخسؤا فيها ولا تكلمون " ( 17 ) . " أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون " ( 18 ) . والآيات الواردة في ذم الدنيا وحبها كثيرة ، وأكثر القرآن مشتمل
--> ( 15 ) قال في المنجد : الكدية : الاستعطاء وحرفة السائل الملح . ( 16 ) سيأتي الخبر بهذا المعنى - ص 25 - وهو عامي . ( 17 ) المؤمنون ، الآية : 109 . ( 18 ) البقرة ، الآية : 86 .